مقدمة وافتتاحية

حرية المعلومات- أغلى ما يملكه المجتمع المدني

على عكس السنين السابقة, واجهنا هذه المرة صعوبات جمة في تنفيذ البحث التمهيدي لهذا التقرير. فقد قمنا, كما جرت العادة في كل عام, بإرسال الاستبيانات للوزارات الحكومية المختلفة وطلبنا منها أن تستعرض الخدمات التي تقدمها -هذه الوزارات- للجمهور العربي-الفلسطيني إضافة لمعطيات اخرى ضرورية. وجرت العادة أن نقوم بعد استعادة النماذج باختيار ما سنعالجه من قضايا, ثم نقوم بعملية مقارنة لهذه النشاطات بنشاطات الوزارة في وسط الجمهور اليهودي. هذا العام بكّرنا بإرسال الاستبيانات, وبدأنا بإرسالها في شهر اكتوبر 2002, لكننا لم نتلقى أي من الإجابات الجديرة. واحتوى ما استلمناه من نماذج على أجوبة ناقصة, وتمت في بعض الحالات الاجابة على اسئلة غير تلك التي طرحناها.

 

هذا العام نلاحظ بشكل واضح انعدام الشفافية لدى أجهزة الحكم فيما يتعلق بتوفير المعطيات حول الخدمات التي تقدم للجمهور العربي-الفلسطيني, ويظهر هذا الامر بشكل واضح عندما تجري عملية مقارنة بين الخدمات التي يحصل عليها اليهود مقابل تلك التي يحصل عليها العرب-الفلسطينيون. ومن خلال تعداد الاشجار, الواحدة تلو الأخرى,( أي عرض مسهب لأدق التفاصيل حول نشاطات محلية, قليلة الاهمية) يُحجم ممثلو الحكم عن عرض الغابة بأكملها, أي الصورة الكاملة, حول المقارنة بين اليهود والعرب- الفلسطينيين. وبعكس السنين السابقة, لم يسمح لنا بالاتصال المباشر مع  الموظف/ة المنفذ/ة ,كي نحصل على إجابات للاسئلة التي طرحناها, وأجبرنا بدل ذلك على التعامل مع غربال المسؤول عن حرية المعلومات في كل وزارة ووزارة . وفي بعض الوزارات وجدنا انفسنا مجبرين, بسبب طرحنا لبعض الاسئلة الاضافية او بعض الاستفسارات, على الانتظار 30 -60 يوما إضافيا, وهي الفترة التي يمنحها قانون حرية المعلومات للوزارات كي توفر الاجابات.

 

قمنا, على سبيل المثال بالاستفسار في وزارة الداخلية عن عدد البيوت التي تم هدمها في السنوات 2002-2003, وكم منها كانت عربية وكم منها يهودية. وكانت الاجابة انه تم هدم 300 منزل في العام 2001 وفي العام 2003 تم تنفيذ 346 أمرا بالهدم. وتجاهلت الاجابة بشكل مطلق سؤالنا حول هوية أصحاب البيوت المهدومة. وعندما توجهنا بالسؤال حول توزيعة اليهود والعرب كانت الاجابة ان وزارة الداخلية لا تقوم بهذه التوزيعة. لذا قمنا هاتفيا  بطلب قائمة باسماء اصحاب البيوت التي تم هدمها فقيل لنا ان الوزارة لا توفر أسماء اصحاب هذه البيوت احتراما منها لخصوصيتهم. عندها طلبنا قائمة باسماء السلطات المحلية التي تم هدم البيوت في مناطق نفوذها فكانت الاجابة ان هذه المعطيات تحتاج للفحص والتمحيص, وسيستغرق الامر وقتا طويلا قبل أن يتم عرضه على الجمهور. كما قالوا لنا ان على منظمات المجتمع المدني دفع مقابل ايام العمل والمصاريف الاضافية للموظف الذي ترسله الوزارة للقيام بهذه المهمة. نستطيع الآن, وعلى ضوء تجربتنا, الخروج باستنتاج مفاده أنه بدل التسهيل, فإن قانون حرية المعلومات يضع العقبات أمام منظمات المجتمع المدني في الحصول على المعلومات حول النشاطات الحكومية المختلفة.

 

ويعتبر تحديد أجندة المواطنين بمنأى عن أجندة الحكومة , أحد الوظائف المهمة والرئيسية لمنظمات المجتمع المدني. هذا ما تقوم به هذه المنظمات بشكل متواصل, بدون التنسيق فيما بينها أحيانا, ومن خلال التناقضات الداخلية في احيان اخرى. لكن في ذلك تكمن قوة وأهمية المجتمع المدني, إذ توفر الضوابط والتوازنات القائمة  في هذا المجتمع صورة متعددة الاشكال لكنها تمثل احتياجات المواطنين. وهكذا يطرح المجتمع المدني أجندته بشكل يومي أمام الحكومة ويحاول التأثير عليها كي تنفذه, او أن تاخذها بالحسبان عند تنفيذها لسياساتها.

 

تشكل المعلومات المستجدة  والموثوقة حول ما يجري على أرض الواقع, عاملا حاسما في تحديد جدول اعمال المجتمع المدني. ويشكل حجب هذه المعلومات عن المواطنين أو وضع العقبات امام الحصول عليها إضعافا لهذا المجتمع, ويمنعه هذا الامر من بلورة أجندة حيوية للتأثير على مؤسسات الحكم. الكثير من منظمات المجتمع المدني أصبحت تواجه الصعوبات في الحصول على معطيات حقيقية من الجهاز الحكومي, وربما ستضطر هذه المنظمات إذا ما أرادت أن تفرض على السلطة تطبيق القانون, أن تلجأ الى جمعية  شتيل ( التي توفر خدمات دعم ومشورة للمنظمات الاجتماعية) والاستعانة بالخبرات التي اكتسبتها, من خلال قيادتها لائتلاف دعم قانون حرية المعلومات.


الحكومة تزرع بذور الخلاف بين المواطنين

زادت في السنة الاخيرة حدة المشاكل المستعصية، التي تميز العلاقة بين الاقلية العربية الفلسطينية وبين الدولة. من ناحية الدولة, تم ترسيخ سياسة إبعاد المواطنين العرب- الفلسطينيين عن موارد الدولة. وقد قمنا في تقرير سيكوي الاخير (حزيران 2002) بكشف النقاب عن تقليص المخصصات الحكومية للجمهور العربي-الفلسطيني بعشرات النسب المئوية مقابل السنوات السابقة وذلك على الرغم من "مخطط المليارات الاربعة" الذي اعلن عنه في نفس العام. وتشير معطيات التقرير الحالي الى ان العام 2003 يشهد تواصلا لسياسة تقليص الحصة الممنوحة  للجمهور العربي-الفلسطيني من مجموع الموارد الجماهيرية المتوفرة,  ويحدث ذلك، هذه المرة، في ظل التقليصات الكثيرة التي تجرى على ميزانية الدولة. وتزرع هذه السياسة المنهجية المتكررة من التمييز وغياب المساواة بذور النزاع بين المواطنين اليهود والعرب.

 

من ناحية المواطنين العرب, هنالك مؤشرات عديدة على تولد حالة من الانغلاق والتشاؤم بخصوص احتمالات الاندماج في اسرائيل. ويأتي هذا التوجه في العامين الاخيرين مغايرا للتوجه الذي ساد في تسعينيات القرن الماضي عندما بذل العرب- الفلسطينيون جهودا بالغة للإندماج بالدولة, والتي بلغت ذروتها من خلال عرض مرشح لرئاسة الحكومة هو عضو الكنيست الدكتور عزمي بشارة في انتخابات 1999. ومقارنة بالنقاش الجماهيري النشط الذي شهدته البلاد في التسعينيات بين المواطنين اليهود والعرب, يمتاز السلوك الجماهيري للقيادات العربية-الفلسطينية في اسرائيل في السنتين الاخيرتين بكثير من ضبط النفس. ويميز ضبط النفس هذا اعضاء الكنيست العرب الذين أداروا هذا النقاش الى ما قبل عامين, من على منصة الكنيست, محافظين بذلك على إبقاء قضاياهم على أجندة وسائل الاعلام. وقاموا بذلك بسبب غياب القدرة على الاستعانة بالجهاز البرلماني من اجل خدمة ناخبيهم. وحتى المظاهرات التي يقوم بها الجمهور العربي خفتت حدتها منذ خريف 2000. وشكل دخول مصطلح الترانسفير الى قلب الخطاب اليهودي- الاسرائيلي, بالنسبة للكثير من العرب-الفلسطينيين, تهديدا ملموسا وحقيقيا. هذه هي بعض المؤشرات للاحساس بالتشاؤم الذي يسود في صفوف العرب-الفلسطينيين في إسرائيل بخصوص إمكانية الاندماج في الدولة كمواطنين متساوين في الحقوق, ولانعدام الثقة بالمواطنة التي يحملونها.

 

افكار عديدة من تلك التي تطرح امام الجمهور اليهودي بخصوص الحل السياسي للتعقيدات التاريخية للصراع الدائر بين النهر والبحر, تشمل العلاقات الداخلية بين المجموعتين القوميتين داخل اسرائيل. ويتم توظيف الاحصائيات الديموغرافية بهدف إدخال الرعب في قلوب اليهود, ويتم بعد ذلك تقديم الحلول السهلة للفصل بين المجموعتين القوميتين من خلال حد السيف أو من خلال إقامة الحواجز. وقد يستنتج الجمهور اليهودي من كل ذلك, استحالة بناء حياة مشتركة لليهود والعرب ضمن اطار سياسي واحد, ومن ثم يتعاملون مع الوضع القائم على انه أهون الشّرين. وتسبب الطريقة التي يتم فيها تناول هذا النقاش ضررا كبيرا لاحتمالات بناء المواطنة المتساوية والعادلة بين اليهود والعرب في اسرائيل.

 

إضافة الى ما ذكر, تقوم وسائل الاعلام الاسرائيلية  بوصف المواطنين العرب في الكثير من الاحيان على انهم يشكلون تهديدا امنيا, وليس كمواطنين ذوي هوية وإرادة واحتياجات, وما زال الجمهور اليهودي يحجم بشكل عام عن الدخول الى المدن والقرى العربية. في الآونة الاخيرة هنالك بعض المؤشرات على ان رئيس الحكومة يبدي اهتماما معينا بالجمهور العربي-الفلسطيني وأوضاعه . وقد تساعده في ذلك بعض التوصيات التي يقدمها هذا التقرير.

 

السياقان اللذان نعرض فيهما هذا التقرير هما، تدهور العلاقات بين الدولة والاقلية العربية-الفلسطينية, إضافة الى إحجام مؤسسات الدولة عن توفير شفافية المعلومات امام المواطنين. ويؤدي التجاهل المستمر للوضع المزري والمتردي للاقلية العربية-الفلسطينية في اسرائيل والعلاقة المتوترة مع الدولة واليهود الى إحداث الضرر لجميع المواطنين ,يهود وعربا-فلسطينيين. ونتيجة لهذا الوضع سيصبح التصادم بين المجموعتين جزءا من السيناريوهات المستقبلية, وهذا ما يجب على الجميع –مواطنين وسلطة على السواء, منعه بكل ثمن, من أجل الوصول الى علاقات  عادلة ومنصفة بين المواطنين وبين الدولة.

 

لم تكن لدينا أي نية لعرض صورة قاتمة بهدف احباط القراء, بل بالعكس: إذ يهدف هذا التقرير الى تحفيز المواطنين من جهة, والحكومة من جهة اخرى, على القيام بخطوات عملية من أجل مستقبل المواطنين, جميع المواطنين, وقد يساهم عرض الصورة كما هي في الواقع في ذلك.

 

وبسبب إغلاق الاجهزة الحكومية امام اهتمامات المواطن الذي يبحث عن المعلومات الدقيقة, يعتمد هذا التقرير على المعطيات المعروضة على الملأ فقط, وحتى من اجل قراءة ما هو واضح, هنالك مجهود يجب بذله, ويجب بالاساس قراءة هذا الواقع كجزء من تحمل مسؤولية التصحيح.

كلنا امل ان يشكل هذا التقرير عونا لاولئك الذين يطمحون الى تغيير الوضع بصورة جذرية. 

 

والآن حان وقت القراءة

وبعدها-الى العمل!

شولي ديختر