تلخيص ونظرة مستقبلية

دعوة لمحاسبة الذات

 

يدرك المهتمون بعلاقات اليهود والعرب وبمكانة الاقلية العربية-الفلسطينية في دولة اسرائيل, ان السنة الفائتة كانت سنة انحطاط في تعامل الدولة وأذرع السلطة المختلفة مع الاقلية العربية وحقوقها. ولا يقتصر الامر على عدم طرح حكومة شارون الحالية وتلك التي سبقتها لأي خطة خاصة لمعالجة مشاكل الاقلية العربية, بل تعدت ذلك الى الامعان في التعامل العدواني للدولة وأذرعها السلطوية تجاه الاقلية وحقوقها. وانعكس التمييز القاسي من خلال مواصلة سياسة هدم المنازل وإبادة المحاصيل الزراعية في النقب, مرورا بالخطوات المتطرفة تجاه القيادات العربية.

 

وعكس حدثان متعاقبان انعكاسا بالغ الخطورة في تعامل الدولة مع قيادة الجمهور العربي: الاول في محاولة سلب حق التجمع الوطني الديموقراطي وعضوي الكنيست عزمي بشارة وأحمد الطيبي في التنافس في انتخابات الكنيست الـ15, وباءت هذه المحاولة بالفشل على ضوء تدخل محكمة العدل العليا, وتمثل الحدث الثاني في المحاولة التي تحاك في هذه الايام من اجل تحييد نشاط الحركة الاسلامية ومنع قياداتها من العمل على تحقيق اهدافها السياسية في مد يد العون للفلسطينيين في الضفة والقطاع  وفي المساهمة الذاتية في بناء المؤسسات الداخلية داخل البلدات العربية في اسرائيل.هذه الاحداث وأحداث اخرى تراكمت منذ العام 1948 وخصوصا التعامل المستهتر مع الممثلين العرب في الكنيست ومع مقترحاتهم لحل مشاكل الاقلية التي أرسلتهم للكنيست كممثليها, أدت مجتمعة الى المس بشكل قاس بالثقة التي يوليها العرب لاجهزة السلطة وللسلطة التشريعية والتنفيذية في اسرائيل. وانعكس هذا المساس بشكل واضح في امتناع حوالي 40% من العرب عن الذهاب الى صناديق الاقتراع في انتخابات كانون الثاني 2003.

 

وخرجت من صفوف الاقلية العربية على ضوء هذين الحدثين رسالة واضحة يفترض أن يستوعبها الجمهور اليهودي وأصحاب القرار بشكل جيد :التعايش مع اليهود هو جوهر ما يتمناه المواطنون العرب,ومن بينهم الحركة الاسلامية. والشرط الاساسي لذلك ان تتوقف الدولة عن ممارسة التمييز تجاه مواطنيها العرب وقياداتهم وأن تتعامل باحترام مع خصوصيتهم وحقهم الاساسي في المساواة الحقيقية والمعاملة الحسنة. وإذا لم يحصل ذلك فسينهار الوجود هنا في هذه البلاد. ولا حاجة لإثبات ما هو واضح للعيان من غياب للعمل من قبل الحكومة الحالية بكل ما يتعلق بالاقلية العربية. هذه هي أسوأ الحكومات من حيث التعامل مع الاقلية العربية منذ العام 1948. بدل تضييق الخناق على الأطراف المدنية التي تحاول ملئ الفراغ –على الحكومة تدعيم هذا الجمهور بنفسها.

 

ننتظر جميعنا توصيات لجنة أور, وهي اللجنة التي أقيمت للتحقيق في احداث أكتوبر في العام 2000. وقد تعرض هذه اللجنة طرقا جديدة وجريئة في تعامل الدولة مع مواطنيها العرب , بما في ذلك التعامل معهم كمواطنين بشكل فعلي. لكن هنالك احتمال أن تتحول اللجنة إلى ظاهرة عابرة, وقد تساهم في تدهور العلاقات وعدم تحسينها. وخاصة إذا ما حاولت خلق التوازنات والموازاة بين مسؤولية السلطة ومسؤولية المحكوم. وإذا ما اضفنا ترقب توصيات لجنة اور لما يحدث داخل أروقة المحكمة بخصوص اعتقال قيادات الحركة الاسلامية , نستطيع التقدير بأن الجهاز القضائي في اسرائيل يقف على مفترق طرق حرج , من حيث استمرار الثقة التي يوليه إياه المواطنون العرب.

 

ولا يوفر هذا الجهاز تمثيلا ملائما للقانونيين العرب (على الرغم من التعيين المؤقت لقاض عربي في محكمة العدل العليا مؤخرا), ويقوم بالتمييز في الاحكام التي يصدرها بين المواطنين العرب واليهود, كما اثبت ذلك بحث مشترك للبروفيسور أرييه راطنر والبروفيسور جدعون فيشمان من جامعة حيفا. وبالرغم من ذلك فما زالت استطلاعات الرأي تشير الى أن غالبية الجمهور العربي تمنح الثقة للسلطة القضائية. وستؤدي المعاملة التمييزية للمحاكم وللجنة اور في المواضيع المطروحة أمامها، الى  تراجع في تعامل المواطنين العرب مع هذه السلطة التي ستنضم بذلك الى باقي السلطات.

 

سيقف نظام الحكم, بهذا المفهوم, امام امتحان عسير للغاية . هل يخطط هذا النظام لـ"محاسبة الذات" التي قد تؤدي الى المصالحة, ام أنه ينوي مواصلة الصدامات بين المواطنين العرب واليهود  وبين العرب والدولة. وعلى السلطة توفير الاجابات على ذلك بدون توجه اضافي الى الجمهور العربي  ومطالبته بعملية "محاسبة الذات".

 

وقد تكون السنة القادمة سنة حاسمة في الصراع بين اسرائيل والفلسطينيين, وعلى الدولة الا تنتظر الى حين ايجاد الحل لآخر المشاكل العالقة كي تتفرغ لتنظيم العلاقات مع الاقلية الفلسطينية في اسرائيل. وسيزيد تأجيل معالجة هذا الموضوع من الصعوبات التي تقف عائقا امام طرح الحلول لمسألة المساواة المدنية المستقبلية في اسرائيل.

 

أسعد غانم