حقوق التنظيم في البلدات العربية في اسرائيل:استعراض الوضع القائم

شموئيل غروئيغ*, شولي هارتمان*

 

حقوق التنظيم-جزء لا يتجزأ من حقوق المواطن

 

لا يمكن فصل التنظيم في اسرائيل عن السياق السياسي والاقتصادي والقومي, ويتضح في الكثير من الحالات ان عملية التنظيم تعكس سلم أفضليات منحازا لأصحاب اتخاذ القرار. ويتولد نتيجة لذلك الاحساس بالتمييز المتواصل من قبل مجموعات سكانية كبيرة في اسرائيل. من هذا المنطلق قررت جمعية "بيمكوم" فحص الوضع الحقوقي في مجال التنظيم في صفوف مجموعتين سكانيتين ضعيفتين هما- المدن والقرى العربية بالاضافة الى مدن التطوير. وقمنا من خلال ذلك بفحص مدى اقتران الاحساس بالتمييز بالحقائق والمعطيات.

 

حقوق التنظيم تعني المساواة في طريقة توزيع الاراضي واستعمالاتها وتخصيص الموارد الحكومية من أجل هذا الهدف؛ إضافة الى درجة شفافية عملية التنظيم ومشاركة السكان في بلورتها. وسيتم من خلال تقرير حقوق التنظيم الذي تعده جمعية "بيمكوم" في هذه الايام, فحص وتعريف المعايير التنظيمية والقضائية التي تتعلق بتطبيق هذه الحقوق، وسيتم عرض الابعاد المختلفة لحقوق التنظيم على المستويات الفردية والجماعية(حقوق المجموعات, الاحياء, البلدات والمجموعات السكانية).وسيتم من اجل ذلك فحص المدن والقرى العربية ومدن التطوير بناء على مقاييس متنوعة من خلال مقارنتها بالبلدات اليهودية المجاورة. ولضيق المجال لن يتعرض التقرير للمدن المختلطة والقرى غير المعترف بها, وسنتطرق لهذه المواضيع في التقارير القادمة.

 

ستنعرض في هذه المقالة, التي تشكل جزءا من التقرير, الى حقوق التنظيم في البلدات العربية فقط. وبالرغم من ذلك نشدد على أن مدن التطوير تعاني هي الاخرى من تمييز في التنظيم ولكن ليس بالشكل الصارخ الذي تعاني منه الشريحة السكانية العربية. ويمكن القول أن التمييز في المدن والقرى العربية يشمل جميع مكونات العمل التنظيمي, بينما يقتصر الامر في مدن التطوير على بعض هذه المكونات.

 

 وسنعرض في هذه المقالة وضع تطبيق حقوق التنظيم في المدن والقرى العربية حسب المقاييس التالية:

أ‌.        الوضع الميداني: حدود السلطة المحلية؛ المساحات التي تملكها الدولة مقابل المساحات الخاصة؛ الكثافة السكانية؛ البنية التحتية في البلدة؛ الإسكان الشعبي ووضع البنايات العامة.

ب‌.    المخططات: الى أي درجة تستجيب المخططات لاحتياجات  البلدة في الحاضر والمستقبل؛ وجود البناء غير المرخص للسكن وأسبابه؛ وجود مساحات كافية في المخططات- للصناعة والتشغيل والرياضة والترفيه وللمباني العامة.

ت‌.    التمثيل: وجود  لجنة تخطيط محلية في البلد؛ تمثيل السكان في اللجنة اللوائية؛ مدى مشاركة السكان في التنظيم الذي يتم تنفيذه في بلدهم.

 

تقاسم الحيز الجغرافي, الكثافة السكانية وحيز الفرص

 

توجد في دولة اسرائيل 1200 مدينة وقرية ونقطة سكانية. وفي الوسط العربي هناك 76 سلطة محلية و 32 بلدة في إطار المجالس المحلية, أي ما مجموعه 108 قرى ومدن. وإذا ما أضفنا المدن الثماني المختلطة تصبح نسبة البلدات العربية المعترف بها 9% من مجموع المدن والقرى في اسرائيل, في الوقت الذي تصل فيه النسبة السكانية للعرب الى 18.9% من المجموع السكاني العام. إضافة الى ذلك تنتشر المساحات المحلية العربية على 2.5% فقط من مساحة دولة إسرائيل. في اعقاب حرب 1948 اختفت المدن العربية الكبيرة والمتوسطة في اسرائيل, وتم عمليا هدم النسيج الإجتماعي المديني للعرب في البلاد. ومنذ إقامة الدولة تمت إقامة حوالي 1000 قرية ومدينة يهودية بينما لم يتم بناء أي منها في الوسط العربي, ما عدا البلدات التي اعدت لتجميع البدو في الجنوب والشمال. وتشكل هذه الفجوة بحد ذاتها مساسا جوهريا بحقوق التنظيم للاقلية العربية في اسرائيل.

 

يسيطر 53 مجلسا إقليميا على المساحات المفتوحة في البلاد, ويسكن داخل هذه المجالس حوالي 10% من السكان, ويسيطر هؤلاء إداريا على 90% من أراضي الدولة ويتمتعون بما توفره ضريبة الارنونا(الاملاك) عن هذه الاراضي. لا يوجد أي مجلس أقليمي عربي بين هذه المجالس وإذا ما توفرت مجالس إقليمية عربية ينعدم التواصل الجغرافي فيما بينها, وتقع المساحات فيما بينها تحت سيطرة المجالس الاقليمية اليهودية.(مثال على ذلك هو المجلس الاقليمي نوف هجليل الذي يفصل المجلس الاقليمي يزراعيل بين بلداته).

 

هنالك تمييز بالغ مشابه في حقوق التنظيم للبلدات العربية في موضوع الحدود المحلية. وتم تقديم طلبات كثيرة لتوسيع الحدود المحلية من قبل البلدات العربية ولم تتم الاستجابة سوى لقلة قليلة منها، وتم ضم مساحات ضئيلة جدا اليها. وبالمقابل تمت الاستجابة بشكل سخي لطلبات مشابهة قدمتها البلدات المحلية اليهودية. ووصلت الكثير من هذه القضايا الى محكمة العدل العليا. وتشكل بلدة كفر قاسم المتاخمة لرأس العين اليهودية مثالا بارزا على هذه السياسة . إذ تم في الخمسينيات نقل 2,600 دونم من كفر قاسم لمنطقة نفوذ رأس العين وتمت إعادة 200 دونم للبلدة في العام 1993 لكن باقي المساحات التي تم الاتفاق على إعادتها وتم الاعلان عن ذلك على الملأ لم تتم إعادتها حتى هذا اليوم.

 

وتشكل بلدتا عومر وتل السبع مثالا آخر على الفجوة بين البلدات العربية واليهودية بما يتعلق بالمساحات المحلية. ويصل تعداد السكان في عومر إلى 6000 نسمة وتسيطر البلدة على مساحة 17,000 دونم (2.8 دونم للفرد الواحد) ويصل عدد السكان في تل السبع المجاورة الى 10,000 نسمة ومساحتها 4,000 دونم (0.4 دونم للفرد الواحد). وفي العام 2000 تم ضم 7000 دونم لبلدة عومر, يسكن عليها 5000 مواطن من قبيلة ترابين الصانع ( في هذه الاثناء حصلت القبيلة على موقع بديل للتوطين, على أن لا يكون جزءا من مجلس عومر), ام بطين وأبو الاطرش, ويتواجد فيها كذلك تل بئر السبع ومقبرة تل السبع. ولم تحظ تل السبع بأي زيادة إلى مسطحها ولن تحظى على ضوء ذلك باي زيادة بمدخولات ضريبة الارنونا.

 

ولن تزداد مساحة البلدات العربية نتيجة لتوحيد السلطات المقترح في هذه الايام. وكان بمقدور هذه  الخطوة الدراماتيكية تقليص التمييز القائم ولو بشكل جزئي, لكنها قد تؤدي الى تثبيت الوضع القائم في أبعاده التنظيمية. وفي معظم الحالات يدور الحديث عن بلدات لا يتوفر فيما بينها تواصل جغرافي ولن يشمل التوحيد بينها الحيز الجغرافي المشترك. لذا هنالك شك في افضلية الحجم من ناحية النجاعة الاقتصادية, ولن يشكل التوحيد عاملا على تقوية السلطة المحلية الجديدة, ولا في تحسين الخدمة للجمهور، إذ يتطلب الفصل الجغرافي اجهزة تنظيمية منفصلة.

 

وتسبب التقييدات على مناطق نفوذ البلدات العربية الى زيادة الاكتظاظ السكاني وتؤدي الى "إختفاء" القرية العربية التقليدية. ويشير تقرير يعده معهد أورشليم في هذه الايام انه في الوقت الذي "تتمتع" فيه القرى اليهودية باكتظاظ يصل الى 1.3 نسمة للدونم الواحد يصل هذا الاكتظاظ في القرى العربية الى 4.7 أفراد للدونم الواحد, أي ما يعادل أربعة أضعاف تقريبا.

هذه الفجوات واضحة للعيان في البلدات العربية وجاراتها اليهودية مثل، الفريديس مقابل زخرون يعقوب وجسر الزرقاء مقابل كيبوتس معغان ميخائيل وسخنين وعرابة مقابل مستوطنات مسغاف المجاورة.

 

حق الاختيار

وتحول  سياسة التنظيم القائمة دون إقامة البلدات العربية ذات الاسلوب المعيشي المتنوع. وبهذا يسلب حق المواطن العربي في الاختيار من بين أشكال السكن المختلفة (مثلا أحياء "إبن بيتك", البناء المديني الخاص او الاستيطان القروي الزراعي). وهنالك امكانية واحدة متوفرة للمواطن العربي : أن يسكن في ضاحية ذات طابع واحد , وهي شكل هجين بين القرية والمدينة, يخلو من المميزات التي تخص المدينة او القرية. هنالك مدينة عربية وحيدة يزيد عدد سكانها عن 50,000 نسمة وهي الناصرة (التي تصل الكثافة السكانية فيها الى ضعفين ونصف الكثافة السكانية في الناصرة العليا) مقابل 17 مدينة يهودية ذات عدد سكاني مشابه.

 

ولا يحظى السكان العرب في المدن المختلطة بالخدمات العامة التي يستحقونها, ولا يحظون بالتنظيم الملائم. ونضرب مثلا على ذلك وهو حي بيارة سنير في اللد , حيث ما زالت الغالبية العظمى من اراضيه تدخل ضمن تعريف الاراضي الزراعية, في نفس الوقت الذي تمت فيه إقامة الحي المجاور, غني أفيف(اليهودي) على أراض زراعية تم تحريرها بمسار سريع وبتشجيع من قبل السلطات. ويبني سكان حي سنير على أراضيهم الخاصة بدون ترخيص, إذ بغياب خارطة للحي, لا يستطيع السكان الحصول على الرخص المطلوبة. وتتعامل السلطات مع هذه الظاهرة على أنها عملية بناء غير مرخّص وتحاربها بكل ما أوتيت من قوة, وتحظى عملية البناء التجاري اليهودية على المساحات الزراعية المجاورة بغض الطرف من قبل السلطات. ويخلق غياب التنظيم ظاهرة البناء غير المرخص بدون دفع للرسوم المستحقة وبدون البنى التحتية الضرورية. وتمس هذه الظاهرة بالمدينة وباحيائها العربية.

 

اللجان المحلية ومسألة التمثيل- حقوق التنظيم بالممارسة

 

هنالك اهمية كبيرة لمسألة التمثيل في لجان التنظيم المختلفة، إذ يوفر هذا التمثيل امكانية التأثير على سياسة تخطيط وتنظيم الاراضي في البلدة والدولة, وفي هذا المجال أيضا تعاني البلدات العربية من التمييز الصارخ, إذ بالرغم من تشكيلها لـ60% من مجموع السلطات المحلية في البلاد توجد في 6% (4 مدن) منها فقط لجان تنظيم محلية مقابل لجان محلية في حوالي 55% من السلطات المحلية اليهودية. في الوضع القائم لا يسمح للبلدات العربية وحتى المدن منها بالمبادرة لمخططات او إصدار رخص البناء. وتنبع اهمية اللجنة المحلية من قدرتها على المبادرة لمخططات بلدية وإعطاء تصاريح البناء. وتعتمد هذه البلدات العربية على قرارات لجنة التنظيم التي يغيب تمثيلهم عنها. وفي الحالات التي يتوفر فيها تمثيل لبلدة عربية يكون هذا التمثيل جزئيا، ومثال على ذلك هي مدينة ام الفحم التي يسكنها 38,000 نسمة ولا توجد فيها لجنة تنظيم بينما هنالك لجنة تنظيم في مدينة رأس العين اليهودية ذات العدد السكاني المشابه او بلدة طبعون التي يسكنها ثلث عدد سكان ام الفحم. أما تمثيل البلدات العربية في لجان التنظيم اللوائية للبناء والتنظيم وفي اللجان والاجسام القطرية فهو متدن للغاية, كما ذكر في الدعاوى القضائية الكثيرة التي رفعت في هذا المجال لمحكمة العدل العليا . وفي غياب التمثيل الملائم يصبح انخراط المواطنين العرب وقدرتهم على التأثير في هذه المواضيع شبه معدوم مما يفرغ مواطنتهم من أي مضمون.

 

ويتم التعامل مع عملية توحيد السلطات المذكورة اعلاه كاستمرار لنفس النهج التمييزي في مجال تمثيل الجمهور العربي, وهذا النهج يقلص التمثيل من جهة لا يوسع مناطق النفوذ ولا يشير الى اي استجابة للإحتياجات التنظيمية والاقتصادية للبلدات العربية من جهة أخرى.

 

مميزات اجتماعية-اقتصادية

 

يستعرض تقرير حقوق التنظيم مكانة السلطات المحلية الاقتصادية-الاجتماعية , آخذا بالحسبان متغيرات عدة مثل مصادر الدخل, مستوى المكننة ومميزات التشغيل والبطالة ومستوى التعليم والثقافة وحجم المجموعات السكانية التي تعاني من  الضائقة الاقتصادية. ويعمل بهذا الامر من خلال سلم عناقيد اجتماعي – اقتصادي  من 1 الى 10. وتقع جميع المدن والقرى العربية والبلدات البدوية في النقب داخل أدنى العناقيد (1). وتتواجد الناصرة وهي أكبر المدن العربية في العنقود الثالث. السلطة العربية الوحيدة التي تقع في العنقود السادس هي معليا. وبشكل عام تقع معظم السلطات العربية في العناقيد الاجتماعية الاقتصادية المتدنية. وتبرز خطورة هذه المعطيات عندما تتم المقارنة بالمدن والقرى اليهودية التي تتواجد معظمها بشكل واضح داخل العناقيد الخمسة المرتفعة ولا توجد اي منها داخل العنقود السفلي.

 

وتعكس معطيات تقرير حقوق التنظيم، والتي تم استعراض بعضها في هذا المقال, سياسة تخطيطية سائدة في صفوف المؤسسة الإسرائيلية, تلك التي تضع العراقيل والقيود أمام المدن والقرى العربية. ويمكن القول استنادا الى التصريحات المختلفة التي يطلقها أصحاب القرار أنه يتم التعامل مع المواطنين العرب في اسرائيل على انهم "مشكلة ديموغرافية", وأن بلداتهم "تزحف بشكل متواصل وعشوائي" الى داخل الحيز الجغرافي القومي. وتم استنادا الى هذا التحليل تنفيذ حملات قومية مثل "تهويد الجليل" , ويتم مؤخرا، على ضوء قرارات حكومية تلتف على التنظيم، إقامة مزارع الافراد والمستوطنات اليهودية الجديدة في النقب. ويتناقض هذا التوجه مع سياسات التنظيم التي يوصي بها المهنيون من ذوي الصلاحيات, كما انعكست في الخرائط الهيكلية اللوائية والقطرية.

 

المس بحقوق التنظيم والتنظيم للبلدات العربية, إضافة الى الميزانيات المتدنية التي توفرها لها الدولة والوضع الاقتصادي المتردي لسكان هذه البلدات يخلق احاسيس قوية بالاستلاب والإحباط. ومما لا شك فيه ان مسألة الاراضي والسيطرة عليها, تشكل أساس الصراع بين اليهود والعرب, وتتعلق حظوظ المصالحة بين العرب واليهود وتحول العرب الى مواطنين كاملين في اسرائيل بحل مشاكهم في موضوع الاراضي على اساس المساواة المدنية وليس على اساس التمييز والفصل الجغرافي الإثني والقومي. وتكمن ضرورة مساواة مكانة العرب المدنية والتنظيمية بقيم العدل الاخلاقي والمدني وتتعداها لتشكل فرصة وحيدة للعيش بسلام وجيرة حسنة وتعاون مدني.



* شموئيل غروئيرغ هو مهندس ومخطط مدن, بيمكوم

*  شولي هارتمان, متخصصة في الانثروبولوجيا, مركزة النشاط الجماهيري, بيمكوم