سيكوي - الجمعية لدعم المساواة المدنية (ج م)

عند سماع الأنباء ورؤية صور الأحداث في يافا، اللد، حيفا وسائر المدن العربية، يتساءل العديدون- كيف وصلنا إلى هنا؟

لفهم الواقع، علينا معرفة الخلفية – التوتر، الاحتجاج والعنف الذين نراهم في الشارع لم يولدوا من فراغ. لذلك، قررنا تسليط الضوء على الواقع اليومي الذي يعيشه المجتمع العربي، والذي يتّسم مرارًا وتكرارً ا بالتمييز المستمر، الإقصاء، اللامساواة والعنف. نعمل في جمعية سيكوي منذ 30 عامًا على تعزيز المساواة وبناء مجتمع مشترك، فسنعرض أمامكم، بحكم خبرتنا المهنية، الأسباب المختلفة التي أدت للوضع الذي نعيشه حاليًا.

.

سبب رقم 1 – الوضع في البلدات العربية

قضية الأراضي والإسكان في البلدات العربية

بالرغم من تخصيص ميزانيات كبيرة جدًا (وإن لم تكن كافية) للبلدات العربية في السنوات الأخيرة لمجال البناء والإسكان، لم تُخصص للأحياء العربية في المدن المختلطة الميزانيات اللازمة لحل ضائقة السكن الحارقة. بالتالي، فإنّ وضع هذه الأحياء لم يتحسن، بل زادت الأمور سوءًا.

في السنوات الأخيرة، وبرعاية ودعم الدولة وبعض بلديات المدن المختلطة، بدأت تستوطن في الأحياء المهمشة في المدن المختطة، التي تسكنها أغلبية عربية، “أنوية توراتية”. تخلق هذه الأنوية سيرورة “تجديد” للاحياء (رفع قيمة الأرض، وإقصاء الفئات السكانية الفقيرة خارج الحيز) والتي تتسم بمعالم قومية ودينية واضحة. تقترن هذه السيرورة بسيرورات تجديد ذات طابع ودوافع عقارية وتجارية، والتي تحدث في جزء من هذه الأحياء، خاصة في مركز البلاد. في كثير من الأحيان، يؤدي ذلك إلى إقصاء السكان العرب خارج هذه الأحياء، ودخول سكان يهود أقوى بكثير، والذين يستملكون الموارد العربية والحيز العربي في المدن المختلطة، تحت رعاية حكومية.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ العديدين من السكان العرب في المدن المختلطة هم أحفاد هؤلاء الذين هجّروا من منازلهم في عام 1948، ونُقلوا عنوةً إلى المنازل التي يقطنونها الآن، التابعة لفلسطينيين آخرن هُجروا أو فرّوا من منازلهم في عام 1948. لم تمنحهم الدولة حقوق الملكية على المنازل التي أسكنوا فيها، بل تدار هذه المنازل من قبل عميدار، ولا يحظون بمكانة ساكن محمي، لأنّ هذه المكانة مُنحت فقط لأبناء الجيل الثاني، ولكن بدون إمكانية توريث. لذلك، لا توجد لسكان هذه المنازل أي حقوق فيها أو في المنازل التي فقدتها عائلاتهم في عام 1948. لا يمكنهم شراء المنازل التي يسكنون فيها، وبدلًا من ذلك، تقوم شركات مثل عميدار ببيعها لليشيفوت، الأمر الذي يخلق صعوبات كثيرة ويسبب غضبًا شديدًا.

خلال الأحداث الأخيرة، تعززت هذه السيرورة أكثر فأكثر، مما ساهم في استفحال العنف في هذه المناطق. مع اندلاع الأحداث، “تدفقت” نحو جزء من المدن المختلطة حافلات تقلّ مواطنين يهود مسلّحين، معظمهم من سكان المناطق المحتلة، الذين أتوا ظاهريًا “للدفاع عن أشقائهم”. تجدر الإشارة إلى أنّه حتى بدون الخوض في دوافع هذه المجموعات المنظمة والممولة، لا يحدث في أي دولة قانون أن تدخل ميليشيات مدنية مسلحة “لفرض نظام” في مناطق تسودها مشاحنات بين مجموعات مدنية. هذا دور الشرطة. في سياق الأحدث الأخيرة، من الواضح أنّ دخول هذه المجموعات أدى إلى تأجيج العنف المتبادل بين اليهود والعرب في هذه المدن.

قضية الإسكان والأراضي في البلدات العربية في مختلف أنحاء البلاد هي قضية حارقة، والاستثمارات الضخمة التي شهدناها في السنوات الأخيرة لم تحل المشكلة. تم تناول هذه القضية قبل 20 عامًا من قبل لجنة أور، لجنة التحقيق القضائية الرسمية في أحداث أوكتوبر 2000، حيث أشارت إلى أنّ الوضع “يردد أصداء تراكمية لصراعات قائمة منذ مائة عام أو أكثر” وأنّه “يصعب التغاضي عن البعد العاطفي الشديد المقترن بهذه القضية”. شددت اللجنة على ضرورة تخصيص موارد الأراضي بشكل متساو، ووفقًا لمبادئ العدالة التوزيعية. مع أننا شهدنا في السنوات الأخيرة بوادر تحسّن في هذه القضية في البلدات العربية، إلّا أنّ مساعي الاستثمار والتحسين تجاوزت المدن المختلطة.

هكذا أصبحت المدن المختلطة مركزًا للاضطرابات والتوتر بين اليهود والعرب، ناهيك عن التدني المستمر في خدمات الرفاه، اللامساواة في التربية والتعليم، نسب التسرب المرتفعة من المدارس، الجريمة، انعدام إنفاذ القانون، انعدام فرص العمل وغيرها- الأمر الذي يزيد من عمق الفجوات، ويعزز من مشاعر اليأس والإحباط في المجتمع العربي في المدن المختلطة.

.

سبب رقم 2 – التمييز الاقتصادي

كيف تُخصّص الميزانيات للمساواة الحقيقية، وما الذي تمّ تهميشه في سيرورات التطوير الاقتصادي؟

جاء في إحدى توصيات لجنة أور التي قدّمت في أعقاب أحداث أوكتوبر 2000 أنّ الفجوات العميقة القائمة بين العرب واليهود والإهمال والتمييز الحكومي تجاه المجتمع العربي هي السبب وراء الغضب المتراكم الذي أدى إلى اندلاع الأحداث، وحددت أنّه يتوجب على الدولة وقف التمييز في تخصيص الموارد، وتحقيق المساواة الكاملة في هذا المجال. بالرغم من مرور عقدين، فقط في السنوات الأخيرة بدأنا نشهد استثمارًا اقتصاديًا حكوميًا ملحوظًا في المجتمع العربي، والذي بلغ أوجه في الخطة الخمسية للتطوير الاقتصادي والحضري في البلدات العربية، والمسمّاة بـ “القرار 922” الذي صودق عليه في نهاية 2015. أسفر هذا القرار عن تخصيص ميزانيات جديدة للسلطات المحلية العربية والاعتراف بالتمييز وإصلاحه في بعض آليات تخصيص الميزانيات السنوية للمجتمع العربي. يعني ذلك أنّ تخصيص الميزانيات في عدد من المجالات يتم حسب نسبة السكان العرب من مجمل السكان في البلاد، ووفقًا للفجوات التي نشأت في هذه المجالات على مرّ السنين.

ولكن ما الذي ينقص في القرار 922؟ لقد تجاوز القرار بضعة مجالات مهمّة ومناطق جغرافية مهمّة جدًا، وليس صدفة أن تندلع الاحتجاجات في هذه المناطق تحديدًا. أولًا، القرار لم يطبق كاملًا- فقد تم تحويل ثلثيّ الميزانية فقط- وفي جميع المجالات- خاصة التخطيط والبناء- لا تزال الطريق طويلة لسد الفجوات بالنطاق المنشود. بالإضافة إلى ذلك، يُعنى القرار أساسًا بالمجالات المرتبطة مباشرة بالتشغيل، ولكنه لا يُحدث إصلاحات جذرية في مجالات الرفاه، الصحة، التعليم الثانوي ومناهضة العنف. قضية خدمات الرفاه مهمّة جدًا للمجتمع العربي لأنّ معدل السكان المحتاجين لخدمات الرفاه مرتفع جدًا. أما مجال التربية والتعليم المُهمّش، فهو يخلق حالة من الإحباط الشديد لأنّ الفجوات القائمة فيه عميقة جدًا: الميزانيات المخصصة لطلاب المرحلة الثانوية العرب أقل بـ %38-%75 من تلك المخصصة لطلاب المرحلة الثانوية اليهود. يحصل الطالب الثانوي اليهودي المُدرج في أدنى السلّم الاقتصادي على ميزانية سنوية تبلغ 45 ألف شاقل، بينما يحصل الطالب العربي على ميزانية أقلّ بـ %40 (26.7 ألف شيكل جديد في السنة). نتيجة لذلك، فإنّ الفجوات في تحصيل الطلاب اليهود والعرب في إسرائيل في امتحانات بيزا عميقة جدًا- أكبر بكثير من تلك القائمة سائر الدول التي خضعت لنفس الامتحانات. وتحديدًا في المدارس الثانوية- وهي المؤسسات التي تُعدّ الطلاب للتعليم العالي، مما يؤثر بشكل كبير على فرص العمل وعلى رفاههم الاقتصادي كأشخاص بالغين، تزيد الدولة من عمق الفجوة بين اليهود والعرب ويزداد التمييز الحكومي تحديدًا تجاه الطلاب العرب من الفئات الأكثر تهميشًا، والأكثر حاجة للاستثمار والميزانيات. وعلى صعيد محاربة العنف تطرقنا وكتبنا كثيرًا – أكثر من 100 قتيل في المجتمع العربي في السنة الماضية، و 33 قتيلُا منذ بداية هذه السنة.

وما لا يقل أهمية عن ذلك هو أنّ القرار تخطى المدن المختلطة والقرى مسلوبة الاعتراف في النقب. أكثر من %10 من السكان العرب في البلاد يسكنون المدن المختلطة- حيفا، تل أبيب، عكا، يافا، الرملة واللد. تعتبر هذه المدن “مختلطة” على الورق فقط- ففي الواقع، هناك فصل شبه تام بين السكان العرب واليهود، فصل جغرافي (لأحياء “عربية” وأحياء “يهودية”)، فصل في التعليم وأيضًا في سوق العمل وفي التمثيل السياسي على مستوى موظفي البلديات.

في النقب، وبالرغم من خطة التطوير الاقتصادي التي طورت خصيصًا، إلّا أنّها لم تتطرق البتة إلى القرى مسلوبة الاعتراف. جميع البلدات البدوية في النقب تعاني حالة اجتماعية-اقتصادية متدنية جدًا: جميع السلطات المحلية البدوية مُدرجة في أدنى العناقيد الاجتماعية-الاقتصادية (العنقود رقم 1). %25 من الطلاب البدو يتسربون من المدارس ولا يكملون 12 سنة تعليمية. يعاني المواطنون البدو في النقب من الفقر الشديد، ويحتاجون لمخصصات ضمان دخل أعلى بـ 3.5 أضعاف من باقي السكان. نسبة التشغيل لدى المواطنين البدو في النقب هي من أكثر النسب تدنيًا في البلاد، إذ أنّ نحو ثلث البدو في النقب عاطلين عن العمل. القرى مسلوبة الاعتراف، والتي يسكنها نحو 100,000 مواطن، تعاني أصعب الأوضاع بسبب نقص البنى التحتية والخدمات، بالإضافة إلى هدم البيوت الذي يحدث بوتيرة أعلى من البلدات المعترف بها- مع ذلك، فقد استثنيت هذه القرى من خطة التطوير الاقتصادي لأسباب سياسية متعلقة بمكانتها كقرى مسلوبة الاعتراف. المكانة الاجتماعية-الاقتصادية المتدنية للمجتمع البدوي لم تنشأ من فراغ، بل هي نتيجة مباشرة لعدم الاعتراف وللتمييز متعدد السنوات في الموارد والميزانيات، ونتيجة النقص في البنى التحتية، المواصلات، ربط الشوارع بالقرى والمنالية المحدود للتعليم والأطر المُكملة. يخلق هذا الوضع حالة من الإحباط الشديد لدى السكان، ليس فقط بسبب إهمال الدولة لهم، إنّما أيضًا بسبب الإجراءات التعسفية التي تتخذها الدولة ضدهم، في إطار الصراع السياسي.

الاستنتاجات التي وصلت إليها لجنة أور قبل 20 عامًا أنذرت بما يحدث اليوم على أرض الواقع، بحيث أوصت بضرورة إصلاح ما خلّفته سنوات من اللامساواة المدنية والاجتماعية. ولكن كحال اللجان في إسرائيل، كان الإصلاح جزئيًا جدًا، إن حدث أصلًا. لذلك، ولكي لا نستيقظ بعد 20 عامًا ونتساءل أين أخفقنا، علينا استيعاب وتذويت الضرورة الملحة لتحقيق المساواة الكاملة في جميع المجالات، وفي جميع المناطق. هذا حق أساسي للمواطنين العرب، وقاعدة أساسية (ولكنها ليست الوحيدة) لتعزيز علاقات اجتماعية طيبة بين العرب واليهود.

سبب رقم 3 – الهوية الفلسطينية

من يخشى رؤية أعلام فلسطين في شوارع تل-أبيب، ولماذا يهمّ البعض ألا يُعترف باللغة العربية كلغة رسمية في إسرائيل؟

إذا سمعتم اسم “لجنة أور” يتردد في الأسابيع الأخيرة في سياق الأزمة وحالة التوتر التي عمّت الشوارع وتصدرت العناوين الرئيسية، فهذا ليس صدفة. توصيات لجنة أور- التي أقيمت في أعقاب أحداث أوكتوبر 2000- لم تقتصر على القضايا المتعلقة بالموارد المادية أو بالحقوق الفردية للمواطنين العرب، فقد نصّت إحدى التوصيات على أنّه: “يتوجب على السلطة الحاكمة إيجاد الطرق التي تمكّن المواطنين العرب من التعبير عن هويتهم وثقافتهم بشكل لائق ومُحترم في الحيز العام”. في الواقع، تعكس هذه الرسالة المشكلة الرئيسية: أنّ الدولة لا تعترف بالحقوق الجماعية للمواطنين العرب، وأنّهم جزء من شعب فلسطيني ذي تاريخ، ثقافة، لغة وهوية خاصة.

في هذا المجال، اتبعت الدولة آخر عشرين عامًا نهجًا معاكسًا تمامًا لتوصيات اللجنة، وفعلت ذلك بشكل منهجي تجاه المجتمع العربي. لم تتخذ الدولة أية خطوات للاعتراف بالرموز الثقافية وبالهوية الجماعية للمجتمع العربي واحتوائها، بل وشرّعت أيضًا سلسلة من القوانين التي تمسّ بهذه الجوانب بشكل كبير، أبرزها “قانون القومية”، الذي ألغى المكانة الخاصة للغة العربية وخلق حالة تشريعية قائمة على تفوق اللغة العبرية على اللغة العربية، و “قانون النكبة” الذي يجيز سحب التمويل الحكومي والعمومي من المؤسسات الثقافية التي تحيي ذكرى النكبة. بالمقابل، كلما ازدادت الموارد المادية المخصصة للمجتمع العربي، وكلما تعزز اندماج المواطنين العرب في البلاد، يزداد التوقع منهم بأن يتنازلوا عن هويتهم الفلسطينية ويتعزز الرفض والمساعي لنزع الشرعية عن الرموز والخصائص الجماعية والقومية، مثل اللغة والثقافة العربية، الارتباط بعلم فلسطين وما إلى ذلك.

المحاولات التي تبذلها الحكومة للمساس بقوة التماهي الوطني الفلسطيني في أوساط العرب مواطني إسرائيل لم تقلل أبدًا من مكانة وأهمية الرموز والهوية الوطنية في المجتمع العربي، بل عززت من مظاهر التعصب والعنف من قبل الجمهور اليهودي تجاه هذه الرموز والخصائص.

الرموز الوطنية الفلسطينية وحضور اللغة العربية في الحيز العام تُفَسّر كثيرًا من قبل سياسيين، صحافيين، محللين وغيرهم على أنّها “محاولات للمساس بطابع الدولة”، محاولات تحريض أو مساس برموز وسيادة دولة إسرائيل. في الواقع، تخدم هذه الادعاءات كل من لا يرغب في رؤية العرب وهنا، وكل من يسعى لمحو الهوية واللغة العربية تمامًا من الحيز العام. ولكن اللغة العربية لن تذهب لأي مكان، والرموز لن تختفي. فهي تمثل الهوية المركبة وفي الوقت نفسه غير القابلة للتجزئة بين المواطنة الإسرائيلية والانتماء للهوية الفلسطينية. حقيقة أنّ العديدين في المجتمع اليهودي يخافون من الهوية الفلسطينية التي لا تحاول الأغلبية استكشافها وفهمها تدلّ على إخفاق جهاز التربي والتعليم، الإعلام الإسرائيلي وكلّ ما أدى بنا إلى وضع يعتبر فيه رفع العلم الفلسطيني أو استخدام الرموز الوطني تهديدًا أو تمرّدًا. وهذه فرصة للتوضيح بأن علم فلسطين هو العلم الوطني للشعب الفلسطيني و”ليس علم حركة فتح” أو “السلطة الفلسطينية” كما يدعي الاعلام بشكل منهجي. رفع العلم الفلسطيني لا يعبّر فقط عن التماهي مع الشعب الفلسطيني ما وراء الخط الأخضر، إنما أيضًا عن حقيقة أن العرب هنا يعتبرون أنفسهم أقلية تعاني من التمييز على خلفية قومية، وفي القضايا المدنية أيضًا، مثل مكافحة العنف.

Silence is Golden